تنساب كاميرا هاني أبو أسعد دون فذلكة لتأخذنا في رحلة يوم من حياة شابين فلسطينيين عاديين، يعملان في ورشة ميكانيك، منتميين سراً لإحدى الفصائل الفلسطينية المسلحة التي تقوم بعمليات استشهادية في العمق الإسرائيلي، ويقع عليهما الاختيار للقيام بإحدى هذه العمليات، يبدو هذا الفصيل ربما بشكل مقصود مزيجاً من كافة أنواع الفصائل المسلحة، فالقادة ملتحون بينما لا يبرز الشكل العقائدي بشكل كاف بالدرجة التي نراها عند حماس مثلاً، فالمعالجة تبدو سطحية أحياناً ومعممة أحياناً أخرى لتشمل كافة المجموعات ممثلة في هذه المجموعة، يحاول الفيلم إضفاء واقعية شديدة على الأحداث بالكاميرا الهادئة وطغيان أصوات الحياة الاعتيادية كصوت طرق الصحون أثناء غسلها وأصوات السوق والسيارات، حتى قصة الحب تأتي حقيقية دون تصنع واعتيادية بالنظرات العابرة والأحاديث العامة وبطريقة تغوص في الواقع بدرجة مدهشة.
أماكن التصوير واقعية بامتياز، والإضاءة طبيعية في أغلب مشاهد الفيلم، والملابس والاكسسوارات بل والسيارات منطقية ومقنعة جداً، وجاء أداء الممثلين سلساً ومؤثراً وإن شابه بعض التصنع بسبب نقص الخبرة الواضح، ولكن الحس الطبيعي ظل مسيطراً، حتى التبريرات لنقاط ضعف الفيلم جاءت ذكية، مثل كون المخرج استعان بممثلة مغربية، وبرر ذلك في الفيلم بكونها عاشت في المغرب طويلاً وجعل سعيد يسخر من لهجتها، ولفت انتباهي الكثير من لمسات الواقعية، كطلب سائق التكسي من سعيد إعادة إغلاق الباب، وتعثر سعيد في مشهد آخر، غابت الموسيقى كثيراً ولم نشعر بها ولكننا لم نشعر بغيابها كذلك مما يؤكد صدق وسلاسة الفيلم. 
يمضي الفيلم قبل كل شيء إلى الدوافع، وهنا يأتي غياب البعد العقائدي في هذه الدوافع منتقداً، وتأتي التبريرات وطنية بالمعنى الأيديولوجي، وهنا يدخل خطاب فيه بعض الوعظية والمباشرة، في نقاشات تتحدث عن طبيعة الصراع وتطرح وجهات النظر الفلسطينية حوله بطريقة لا تخلو من الذكاء رغم مباشرتها، فالشاب الأول "سعيد" نجد دافعه يتمثل في رد الاعتبار والتعويض كون والده كان عميلاً ويسوق بعض التبريرات لهذه الفئة من المجتمع الفلسطيني، ودافعه الآخر يتمثل في كونها الطريقة الوحيدة للمقاومة، حيث لا بديل في واقعه المؤلم عن هذه الطريقة، بينما نجد الشاب الآخر "خالد" يفقد عمله في ورشة الميكانيك في نفس اليوم، ولا نجده على الرغم من حماسته وقناع الاندفاع الذي يرتديه يملك دوافع مقنعة لما ينوي أن يفعله، على عكس "سعيد" الذي يملك قناعات واضحة على الرغم من تردده.
يأتي دور "سهى" ابنة أبو عزام القائد الوطني، ليمثل الجيل الثاني المخالف لقناعات آبائه، حيث تنحاز للخيارات التي تراها أكثر عقلانية، وتحسب ميزان القوى، وتتحدث بلغة بعيدة عن القناعات التي تؤدي بالشاب الفلسطيني إلى قتل نفسه، وهذه العلاقة الجدلية بين الشخصيات الثلاث والحب بين "سهى" و "سعيد" تروي لنا - أيضاً في غياب الجانب العقائدي الذي لا يمثله في الفيلم سوى القادة الملتحون (الذين يبدو دورهم سطحياً عند الحديث عن القناعات) - حكاية الشعب الفلسطيني مع العمليات الاستشهادية.
هذه الرؤية نستطيع أن نقبلها كونها رؤية هاني أبو أسعد نفسه للأشياء، بل وأرى بأن الجانب العقائدي حضر بصورة رمزية من خلال قادة الفصيل الذين ينظمون العملية، وإن كان المسؤول المباشر بدا مهزوزاً ومتردداً وهو يرسل الرجلين إلى حتفهما ربما لإبراز إنسانيته، بينما بدا المسؤول الأعلى أكثر ثقة وقوة وكاريزمية منحت هذا البعد رمزاً إيجابياً وحيداً في الفيلم.
إيقاع الفيلم وهو ما يحسب له، جاء مشوقاً رغم كون الفيلم إنسانياً، جاء الإيقاع سريعاً بعيداً عن الملل، يحمل أسلوبية جديدة، بكاميرا حرة بسيطة وبجمالية مدهشة، وقد تجلى هذا الإيقاع عند فشل التسلل إلى اسرائيل في المرة الأولى واختفاء سعيد عند الهرب واتهامه بالخيانة، ورحلة بحث خالد عنه، وزيارته الخاطفة للمرأة التي يحبها لتكتشف ما ينوي القيام به، هذه الرحلة التي قادته ليتأكد تماماً مما يريد، وليعرف بأنه يريد حقاً أن يقوم بهذه العملية.
هذه الرحلة المشوقة نفسها والتي تابعتها الكاميرا بحرفية عالية، وتقطيع مونتاجي مريح أخذت خالد بالاتجاه المعاكس، ليتردد، وليبدو لنا أن حماسته لم تكن سوى محاولة لإقناع نفسه لا أكثر، ليمضي الشابان بعد ذلك لتكرار المحاولة بعد أن انقلبت الآية بينهما، فصار المتردد واثقاً والواثق متردداً، هذا الانقلاب الذي يشف عن حركة الشخوص وتطورها أثناء الفيلم وهو الشيء الذي يعطي الدراما حركتها التي تشد المتلقي. 
هاني أبو أسعد في رائعته "الجنة الآن" ومن خلال هذا التغيير والتطور الذي يطرأ على الشخوص يوضح لنا أيضاً تقلب النفس البشرية وقناعاتها حين يتعلق الأمر بالموت وبالقضايا الكبرى، ويجعلنا نرى أيضاً تقلب المجتمعات وتناقضها فيما يخص كل شيء حتى ما يعتقد دوماً بكونه مسلمات، ينتهي هذا التغيير بعودة خالد بعد أن يحتال عليه سعيد ويوهمه بأنه عائد معه، وبمضي سعيد إلى اعتقاده بجدوى الموت كطريقة أخيرة للحياة.
نشر المقال في الرأي الأردنية
http://www.alrai.com/pages.php?news_id=101951
كتبها رابح حمودة في 04:54 مساءً ::
الاسم: رابح حمودة
